الرئيسية » فلسطين » القرار الأميركي يعيد ترتيب أوراق داعش المتساقطة

القرار الأميركي يعيد ترتيب أوراق داعش المتساقطة

 الولايات المتحدة قدمت خدمة مجانية للتنظيمات المتطرفة بإعلان رئيسها دونالد ترامب عن نقل السفارة الأميركية إلى القدس، وفتح الاعتراف بها عاصمة لإسرائيل الطريق أمام إعادة بلورة الفكر الجهادي المتصدع نتيجة للخسائر الميدانية المتلاحقة داخل جماعات التطرف بإيجاد ثغرة جديدة بين عقول الشباب الغاضب لتجنيد عناصر إرهابية وزيادة وتيرة العمليات بحجة الرد على القرار الأميركي.

القاهرة – تظل قضية القدس في الوعي العربي والإسلامي العام ذات خصوصية، بالنظر لاحتوائها على مقدسات إسلامية ومسيحية تخص العرب والمسلمين.

وظلت القضية مع التدهور الحاصل في مفاصلها تضاعف من تعقيد الأزمات العربية، وتفتح الباب أمام ظهور جماعات متطرفة جديدة، وتمنح حيوية لتنظيمات قديمة، تتخذ تحرير القدس والمسجد الأقصى شعارا لخلق قاعدة شعبية، بينما هي لم تقدم على خطوة تكشف بها أن هذه القضية تحتل أولوية لديها.

ولطالما ضمت القضية الفلسطينية ومواجهة الاحتلال الإسرائيلي إلى البنود الفكرية الأساسية لكل تنظيم متطرف يرى أن جزءا من تكوينه وشعاراته “مقاومة الاحتلال اليهودي الغربي”.

وبناء على معتقدات دينية وتاريخية، قدمت تنظيمات، على رأسها تنظيم داعش، نفسها كدولة خلافة إسلامية وروجت لمزاعم حول ذكرها في أحاديث نبوية والتلميح لها واختيارها من قبل الله كجيش لنهاية الساعة يحارب أعداء الدين الذين يوصفون في نظرهم بـ”الصليبيين” أملا في الانتصار على اليهود المتربصين بالحضارة الإسلامية.

مع ذلك لم تضبط الكثير من التنظيمات الإسلامية وهي تعلن النفير لمواجهة قوات الاحتلال، وحتى الحركات التي تعمل داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، في الضفة الغربية أو غزة، شهدت نشاطا منذ اندلاع الانتفاضة الأولى عام 1987، لكن تحركاتها خبت في الوقت الذي راج فيه مشروع المتطرفين، مثل القاعدة وروافدها.

وجماعة الإخوان المسلمين التي وضعت المسجد الأقصى ضمن شعارها الرئيسي، كانت تتخفى وراءه لتجنب مواجهة إسرائيل، واكتفت بترديد شعارات براقة وقت حدوث أزمة بشأن القدس.

كما أن التنظيمات المتطرفة النشطة في سيناء، ركزت هجماتها على قوات الأمن المصرية، ولم تكن الصواريخ القليلة التي أطلقتها على مواقع صحراوية في إسرائيل لها علاقة بتحرير الأرض الفلسطينية واسترداد القدس، لكنها ارتبطت بالإيحاء أن هذه الحركات موجودة على الأرض، ولم تكن إسرائيل قلقة من الحركات الإسلامية، بل كانت من أكبر المستفيدين من نشاطها على الساحات.

إسرائيل لم تكن يوما قلقة من الحركات الإسلامية، بل كانت من أكبر المستفيدين من نشاطها على الساحات

ورغم ما تكبده التنظيم من خسائر ميدانية متلاحقة في كل من سوريا والعراق أرخت بظلال قاتمة على حلم داعش وأيديولوجيته الفكرية بكونه دولة إسلامية لها تواجد وحدود جغرافية، لكن مراقبين رأوا أن قرار الرئيس الأميركي ترامب بنقل السفارة إلى القدس أعاد تغذية الفكر المتطرف وساهم في ترتيب أوراق الجماعات المتشددة.

وفي النهاية قد تنتج عن ذلك إثارة لفوضى جديدة لن تكون قاصرة على الدول العربية والإسلامية، لكنها قد تعصف بدول غربية أيضا، لأن المتطرفين تدور في أذهانهم الآن الاستفادة من ردة الفعل الشعبية العريضة.

عانى تنظيم داعش من انشقاق داخلي في الآونة الأخيرة نتيجة لخسائره الميدانية وخسارة الأرض التي سيطر عليها منذ عام 2014 في سوريا والعراق والتي قضت على أيديولوجيا الدولة الموحدة والخلافة المزعومة ما تسبب في انشقاق أعضائه وتشكيل جماعات صغيرة أكثر تشددا ووحشية أو إعادة الانضمام من جديد لتنظيم القاعدة الأم.

ويرى متابعون أن القرار الأميركي قدم خدمة جليلة لقادة داعش بشكل خاص لإعادة تكوين أيديولوجيات سابقة بناء على فكرة ضرورة التوحيد تحت راية واحدة لتشكيل جيش يحرر القدس من الاحتلال الإسرائيلي.

كشفت الأبواق الإعلامية لتنظيم داعش على تويتر وتيلغرام عن موجة غضب عارمة بين أنصار التنظيم الذين دعوا للاستنفار ولم الشمل لمواجهة الخطر الأميركي.

وقالت إحدى القنوات التابعة لداعش على تيلغرام إن “أعداء الدين نجحوا في زعزعة استقرار دولتنا وزراعة الفتنة بيننا، لكن الله يسبب الأسباب بأيدي أعداء الإسلام لنستيقظ سريعا ونرد بأشد الطرق وأقواها”.

وتفضي الأدوات الإعلامية لداعش إلى استغلال الغضب الكامن داخل الشباب العربي والمسلم بالتأكيد على أنه في ظل ضعف الدول الإسلامية وردود فعل قادة تلك الدول، فإنه لا بديل عن المواجهة المسلحة بضرب مصالح الولايات المتحدة ومناصريها في عقر دارهم.

وسعت الحركات التي حملت عناوين إسلامية براقة لاكتساب شرعية جماهيرية تحت ذريعة استعادة الوحدة الإسلامية، وبناء مشروع إقامة الخلافة على قاعدة تحرير فلسطين.

وعمدت إلى إثارة مشاعر المسلمين ضد ما أطلقت عليه الاستكبار والاستعلاء ومعايير القوى الكبرى المزدوجة بشأن العديد من الملفات، علاوة على لعب قادة الإسلام السياسي على وتر ما يعاني منه العالم العربي من عدم مساواة وظروف اجتماعية واقتصادية بائسة.

وبدأت بعض القوى الإسلامية عملية حشد أتباعها، من باب الأزمات التي تعيشها دول عربية كثيرة، وكان الهدف المعلن هو الثأر لهزيمة المسلمين أمام الغرب وإسرائيل، لكن هناك أهدافا خفية كثيرة تقف خلف هذه الحجة، أبرزها محاولة الإيحاء بأن التنظيمات والحركات الإسلامية هي البديل الذي يستطيع بعث الأمة.

التنظيمات المتطرفة عمدت إلى إثارة مشاعر المسلمين ضد ما أطلقت عليه الاستكبار ومعايير القوى الكبرى المزدوجة

على مدار عقود طويلة، ظلت أنظمة بعض الدول العربية والإسلامية تتعرض لانتقادات من تلك الجماعات بسبب اتهامها بالإخفاق في مواجهة تمدد النفوذ الإسرائيلي وعدم القدرة على حماية القدس من سياسات التهويد وطمس الهوية العربية التي تنتهجها إسرائيل.

ولا يزال هذا الملف أحد المداخل التي تتعرض من خلالها النخب العربية الحاكمة لانتقادات حادة من قبل الجماعات الدينية، رابطة هذا الضعف بفقدان الإيمان الديني.

لم تتوقف الحرب الكلامية وإثارة المشاعر الغاضبة عند داعش، لكن عبرت أبواق إعلامية أخرى تتبع القاعدة عن غضبها الكامن الذي تعلن أنه سيتحول إلى حرب ضروس أمام العدو الغربي.

وشيد تنظيم القاعدة، منذ نشأته، أسباب تواجده وحركة جهاده على فكرة مقاومة العدو اليهودي ومناصرة القضية الفلسطينية، في حين لم يفعل لها شيئا حقيقيا.

وصرح أسامة بن لادن زعيم القاعدة في العام 1998 بأن تنظيمه هو حركة مقاومة لتحرير فلسطين، تهدف لاستعادة الأرض والحقوق عبر ما أسماه “قطع رأس الأفعى” وهو يعني بذلك الولايات المتحدة الأميركية بالنظر للعلاقة الوطيدة بين الولايات المتحدة وإسرائيل.

استنادًا لهذا الطرح لا يزال تنظيم القاعدة يستقطب أعضاء من مختلف بلاد العالم، ومن كلمات بن لادن التي صارت واحدة من أدبيات الجهاديين “أقسم بالله العظيم الذي رفع السماء بلا عمد لن تهنأ أميركا بالأمن ولا من يعيش على أراضيها حتى يعيشه شعبنا في فلسطين”.

ومنذ أن قالها في أكتوبر عام 2001 لم يفعل هو وأنصاره شيئا ملموسا لتحويل الكلام إلى واقع، لكن على العكس جرى تجنب الالتحام مع إسرائيل، وغض الطرف عن ممارسات الدعم التي قدمتها ولا تزال الولايات المتحدة لتل أبيب، والانخراط في استهداف الدول العربية.

يعلل منظرو القاعدة عدم تدخل التنظيم بشكل مباشر في ساحة الصراع الفلسطينية وعدم استهدافه إسرائيل بزعم أن طريق “هزيمة إسرائيل هو بهزيمة الاستكبار الغربي وتقويض النفوذ الأميركي”.

وترى جماعة الإخوان أن الطريق لتحرير القدس يمر أولًا من العواصم العربية، وتزعم أنه لم يكن هناك حل جذري للقضية الفلسطينية إلا بتغيير الحكومات العربية وأسلمة المجتمعات، باعتبار أن الصراع عقائدي وأنها الأحق بصدارة مشهده.

ويرصد الخبراء ارتباطًا بين تدهور القضية الفلسطينية وحضور هذه الجماعات على الساحة، من جهة ما سببته الممارسات الإرهابية من إضعاف للنفوذ العربي بالإسهام في انهيار غالبية الجيوش العربية.

الواضح أن الجرائم التي ارتكبتها الجماعات الدينية المتطرفة، ساهمت في الضعف العربي، وأدت إلى تدهور حال بعض الدول، وهو ما استفادت منه إسرائيل، التي ضمنت خروج سوريا من معادلة الصراع العربي معها، وأصبح حزب الله جيشا تتحكم فيه إيران لتحقيق أغراضها، وانتقلت حماس من مقاومة إسرائيل إلى مقاومة فتح.

واستطاع منظرو الإسلام السياسي الترويج لأيديولوجيا السلفية الجهادية، بزعم فشل القوى التقدمية عندما وقعت في أحضان الغرب وتبنت القيم الغربية.

وأتاحت مزايدات الإسلام السياسي الدينية لإسرائيل فرصة تلوين الصراع بصبغة دينية بزعم كونها مهددة من “الإسلام المتطرف” الذي يسعى لتدميرها على خلفية أيديولوجية، علاوة على تمكينها من الترويج لفكرة يهودية الدولة.

وبدت في لحظات كثيرة اشتباكات حركة المقاومة الإسلامية (حماس) مع نظيرتها الفلسطينية حركة فتح، كأنها أخطر من مواجهة إسرائيل، التي استغلت الانقسام في الانفراد بإحكام سيطرتها.

ووصف الخبير في شؤون الحركات الإسلامية كمال حبيب الخطوة الأميركية بالتحول المرعب، لافتًا إلى أن القرارات والسياسات الدولية هي أحد أهم مصادر بعث العنف والإرهاب في المنطقة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*